الإمام الياسين.. شموخ في زمن الانكسار


لعلَّ أجمل عبارة لخص بها الإمام الياسين مشواره الجهادي، فأوجز بها "رسالته" كعادة الرجال في ميادين العمل، وساحات الوغى، فقال: "أملي.. أن يرضى الله عني"!
واليوم، وقد أتت ذكرى شهادته الميمونة، وما تعبق به من كل معاني الجهاد والشهادة، وقد خرجت غزة أقوى شكيمة، بعد حرب غاشمة، تُعد الأطول في تاريخ الصراع مع المحتل الصهيوني، وصمت عربي غير مسبوق، في إشارة رضا عن ذبحنا وطلب المزيد غير قليل ممن كان للواجب أهلاً سيذكرهم التاريخ بعز وفخر.
وتأتي ذكراك شيخنا بالشهادة.. وغزة مازالت تعاند المخرز بكل قوة وعنفوان؛ لأنك كنت الجبل الشامخ، والقوة التي قهرت الصعاب، والعزيمة التي ألانت قسوة الواقع..!
وتأتي ذكرى شهادتك المباركة.. وغزة التي أحببتها تصارع أثقال هزائم العرب الذين فقدوا بوصلة القدس؛ فتاهوا في ساحات الوغى؛ فيقتل العربي أخاه بسلاح مأجور.. فكان زمن الانكسار، وكنت شيخنا الياسين أنموذجاً رائعاً في الشموخ والثبات، وفي الإقدام واليقين، ومثلاً عالياً في: التضحية والفداء، وفي البذل والعطاء.. وكنت البوصلة الحقيقية نحو القدس وفلسطين كل فلسطين.
فما عسانا أن نقول.. وفي ذكراك شيخنا الياسين، أمتنا القعيدة قد فزها واقعها؛ فثارت ثورة الأحرار، ولكن قبل أن يكتمل نضجها الثوري؛ فغاصت في الدماء، وهدمت بأيديها حواضرها في بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء تلك الحواضر التي بنتها في زمن عز الإسلام.. ومازلنا نذكرك وقد جعلت من إعاقة جسدك درسًا بليغاً لأمة أقعدتها نوائب السنين؛ فجمعت كل معاني الرجولة، فكنت: قائداً ملهماً، ومعلماً موهوباً، ومربياً فاضلاً، وسياسياً بارعاً، وداعية حكيماً..!
وتأتي ذكراك شيخنا.. وقد وبلغتْ مسيرة الارتهان مبلغها، لواقع مختل يُتسول فيه من محتل،  فقُدمت له كل قرابين الولاء؛ ليمنحنا دويلة.. وكنت الإمام يوم تربعت بعز واقتدار بمنزلة روحية عالية، ومكانة سياسية وازنة في أمتك العربية والإسلامية، وبين أبناء شعبك الذين أحبوك وأحببتهم بكل أطيافهم واتجاهاتهم؛ وكنت منارة لكل الأحرار والثوار الذين ينشدون الحرية لأوطانهم، والكرامة لشعوبهم.
وفي ذكراك يا شيخنا.. مازال شعبك ينجب الأبطال والثوار، وما زالت قوافل الشهداء تترى.. نذكرك وكنت مَنْشأ الرجال.. الرنتيسي، والمقادمة، وأبو شنب، وشحادة، وصيام، والريان.. والقائمة تطول وتطول بمن قضوا.. وما زال منهم من ينتظر..!
نذكرك في ذكراك العطرة بدم الشهادة.. وها هي حماس حركتك التي غَرَسْت غَرْسَتها الأولى، مازالت يانعة بثمارها، جميلة تسر المحبين، قوية تُخيف الظالمين، أكرمها الله برجال صادقين، مازالوا على العهد والقسم، وإن كانت حاجتها إلى فطنتك ملحة، وبصدق بطانتك واجبة..!
نذكرك شيخنا في ذكرى شهادتك المجيدة.. كيف صعدت سلم المجد بعزة وقوة، ورؤية وروية.. فمن الجورة القرية الفلسطينية وفيها قد كان مخاض ميلادك، وفي غزة كان ميلاد جهادك..
فلم يرهبك يوماً السجن ولا السجان، وقد قاسيت الآم الهجرة48م، وفظاعة عدوان56م، وخيبة نكسة حزيران67م.. يوم تبخرت أحلام العودة، لمن هاله قوة الدولة اللقيطة، فكنت إمام الجيل نحو كل فلسطين.. وكنت شيخنا الياسين ممن أضاء الشمعة الأولى في تربية الجيل بعقيدة صادقة ومنهاج صحيح.
لكل هذا وغيره الكثير أحببناك.. ولهذا يُحب الرجال أمثالك.. ثقة بنصر الله، وحسن توكل عليه، وزهداً في الدنيا، وتفاؤلاً بالخير.. لم تنتصر لنفسك يوماً.
قويةً عزيمتك، شجاعاً في قولك الحق، صبوراً في مواجهة الصعاب، خبيراً في التعايش مع أعقد الظروف وأقسى الأزمات..!
فاليوم نذكرك ومازلنا نذكر فجر يوم "الإثنين الموافق:22/3/2004م" وموعدك مع أملك.. فبعد أدائك صلاة الفجر في مسجدك (المجمع الإسلامي) بحيك (الصبرة) وقَّعْت بدمائك الزكية ثورة غضب، فكانت سراج نور لا ينطفئ..
هذا جزاء الصادقين.. يا من صدقت الله.. فصدقك الله؛ لتكون مدرسة للجيل.. عنوانها الإقدام، ومثالها الثبات، ومعلمها اليقين.