قد يكون العنوان غريباً، ولكن الأنباط لا يزالون يبهروننا يوماً بعد يوم. نعم، تلك المدينة الأثرية المنحوتة بالكامل في الصخر، التي أصبحت إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، لم تكتسب تميزها من فراغ، بل لا تزال تبهرنا بالمزيد يومياً.

لا يزال علماء الآثار، حتى يومنا هذا، يكتشفون المزيد من أسرار البتراء، عاصمة المملكة النبطية التي حكمت البلد الشرق أوسطي، الأردن، من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي.

كان الأنباط تجار توابل أثرياء، يعبدون الشمس دون غيرها من الآلهة الأخرى، ولعل هذا من الأسباب التي كانت قد منحت أهمية للانقلاب الشمسي، والأحداث الفلكية الأخرى التي يتم تحديدها عن طريق حركة الشمس في السماء. على سبيل المثال، إن الانقلاب الشمسي ناتج عن ميل المحور الشمالي – الجنوبي للأرض بزاوية مقدارها 23.5 بالنسبة لمستوى نظامنا الشمسي، أي أن هذا الميل يسبب وصول كميات مختلفة من أشعة الشمس إلى مناطق مختلفة من الكوكب على مدار الأرض السنوي حول الشمس.

كشف تحليل إحصائي نشر في صحيفة (نيكسس نتوورك جورنال) “Nexus Network Journal” أنه من المحتمل أن يكون لهذه الظواهر السماوية أثر في كيفية إنشاء الأنباط للهياكل والمنشآت الأخرى في البتراء، التي هي كلمة يونانية تعني “الصخر.”

قام أنتونيو بيلمونتي، عالم الآثار المتخصص في الحضارات القديمة في معهد الفيزياء الفلكية في جزر الكناري IAC، ورئيس دراسة حول مدينة البتراء الأثرية، قام هو وزملاؤه بقياس التوجهات المكانية للمعالم الأثرية الكبيرة، والمعابد، والمقابر المقدسة، وقارنوا هذه القياسات بكيفية تماشي تلك الهياكل والمنشآت مع موقع الشمس في الأفق.

ولأن الموقع يتغير بشكل بطيء جداً مع مرور الزمن، فإن مقدار التغير بين القرن الأول قبل الميلاد إلى يومنا هذا قليل، ولذلك ما لاحظه بيلمونتي وزملاؤه قريب جداً مما لاحظه الأنباط سابقاً.

وأظهرت نتائج هذه الدراسة أنه خلال أوقات معينة من السنة، مثل الانقلاب الشتوي، تسلط الشمس أشعتها بمحاذاة أو على بعض المباني الأكثر أهمية في هذه المدينة (البتراء).

على الرغم من أن الفريق اعتمد على الإحصائيات لتأكيد توجه الشمس مع تلك الآثار، لاحظ عالم الآثار أيضاً أن الأنباط لم يحتاجوا بالضرورة لمعرفة الرياضيات، فقد استطاعوا بناء المنشآت لتتماشى مع الشمس ببساطة من خلال مراقبة شروق الشمس وغروبها، خلال أوقات مهمة من العام.

وقد كانت واحدة من أهم اكتشافات بيلومي مرتبطة بالانقلاب الشتوي، الذي ربما كانوا يعتقدون أنه مرتبط بميلاد آلهتهم الرئيسية (دوشارا) “Dushara”.

خلال الانقلاب الشتوي في البتراء، تُحدِث الشمس تأثيرات في الضوء والظل حول المنصة المقدسة، ذلك النصب المعروف بالدير حيث كان الأنباط يعقدون الاحتفالات الدينية.

ويعتقد عالم الآثار أنتونيو بيلمونتي أن أبحاث فريقه قد ألقت ضوءاً جديداً على المدينة القديمة الغامضة، التي لم ينقب 85% منها بعد، أي أن تلك المدينة ذات الصخر الوردي، لا تزال تحتاج إلى المزيد من التنقيب، ويعد بيلمونتي البتراء واحدة “من أكثر المناطق ذات الخصوصية في العالم”، معبتراً أنها من “المنشآت العجيبة التي تظهر حس الجمال والإبداع عند الإنسان”.

إذاً، يبدو أنه لا عجب في أن تعد هذه المدينة الأثرية إحدى عجائب الدنيا، وربما تحتاج للمزيد من الدراسة، ليتسنى للأجيال المقبلة أن تجد شيئاً ترتبط به.
 
إذ أن علم الآثار عالم ساحر، ولا يزال يحمل في جعبته آلاف بل ربما ملايين الحكايا غير المَرويّة، التي هي بحاجة إلى راوِ مبدع يكتشفها ويرويها.